التجديد الذي نريد

كتبهاصاحب الالوكة ، في 26 يونيو 2008 الساعة: 08:00 ص

التجديد الذي نريد

إبراهيم الأزرق

فرقٌ كبير بين الهدم والتجديد..

إذا كنت مقاولاً وطُلِب منك تجديدُ بناء أكل عليه الدهر وشرب، فليس المطلوب منك هدمه وإقامة صرح شامخ تراه خيراً من البناء الأول، بل كل وظيفتك أن ترمم منه ما انثلم، وتلم شعثه لتعيده كما كان في سابق عهده، وبقدر إرجاعك البناء إلى هيئته الأولى، يقاس قدر إبداعك في تجديده.

ولو فرضنا أن مبنى أثرياً، قُلْ: هرماً، أو بناء آخر مبدعاً محترماً، طُلِب من بَنَّاء تجديدُه فأتى على بنيانه من القواعد، فأزاله وأنشأ عوضاً عنه كوخاً رآه في بعض مجاهل الدول وقد أعجبه حتى فتن به؛ فهو في ناظريه عظيم، فهل يعد هذا المُفسد مجدداً محسناً؟

وكذلك الشأن في دين الله تعالى. فإذا تقرر عندنا أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، والتزمه صحابته والتابعون لهم بإحسان من سلف الأمة الصالح -رضوان الله عليهم- هو خير دين، وكل من خالفهم مقصر جافٍ أو متجاوز غالٍ، إذا تقرر هذا عُلِم أنه ليس مجدِّدًا ذلك الذي يهدم أركان الشريعة، ويغير معالم الدين لتنسجم مع العصر بزعمه! ولَمّا لم يكن ما أتى به خيراً مما أنزل الله -في اعتقاد كل مسلم- فهو مفسد. أما المجدد فهو الذي يعيد الأمةَ إلى ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وهو موقن بأن ما جاء به صلى الله عليه وسلم من الهدى صالح مصلح للبشرية في كل زمان ومكان.

وهنا مسألة تستعصي على أفهام بعض من لم يستَنِرْ بأنوار الشريعة، فيظن أنَّ تغيرَ بعض الفتوى باختلاف الزمان والمكان، مسوغٌ لتغيير ثوابت الدين لأجل ما يخاله مصلحة، والفرق عظيم بين من تتغير فتواه بتغير الواقع تبعاً لأدلة الشرع الدالة على أن هذا الحكم يتغير بسبب اختلاف عوامل معينة، أو تتغير لأجل أن النازلة منوط حكمُها بمحض المصلحة دون أن يرد نص يرشد إلى الأصلح فيها، وبين من لا يرى شيئا ثابتاً في الشريعة، فعنده كل شيء قابل للتغيير، أو يرى الثوابت نسبية أو مطلقة، لكنه لا يصدر في تغيير فتواه عن أدلة الشرع المسوغة لذلك في نازلته المعينة، بل لمحض ما يظنه مصلحة وإن خالفت الأدلة بسبب إملاءات الواقع، فهذا الأخير منفلت عن ضوابط الشرع، فلا غرو أن يرى تبديل الدين باسم المصلحة تجديداً، وأما الآخر فلا يتغير ولا يغير إلاّ وفقاً لأدلة الشريعة الخاصة أو الكلية، ويعتقد أن ما خالفها لا مصلحة فيه راجحة، ويعلم أن وظيفته أن يرتفع بواقعه إلى ما قررته الشريعة، لا أن ينزل شريعةً تُلائم الواقع ويزعم أنها الدين الذي أنزل الله.

المزيد

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر